ابو القاسم عبد الكريم القشيري
13
لطائف الإشارات
ذكرهم بأقلّ عبارة فلم يقل : فإنهم أعداء لي ، بل وصفهم بالمصدر الذي يصلح أن يوصف به الواحد والجماعة فقال : « فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي » . ثم قال : « إِلَّا رَبَّ الْعالَمِينَ » ، وهذا استثناء منقطع ، وكأنه يضرب بلطف عن ذكرهم صفحا حتى يتوصّل إلى ذكر اللّه ، ثم أخذ في شرح وصفه كأنه لا يكاد يسكت ، إذ مضى يقول : والذي . . والذي . . والذي . . ، ومن أمارات المحبة كثرة ذكر محبوبك ، والإعراض عن ذكر غيره ، فتنزّه المحبين بتقلّبهم في رياض ذكر محبوبهم ، والزهّاد يعددون أورادهم ، وأرباب الحوائج يعددون مآربهم ، فيطنبون في دعائهم ، والمحبون يسهبون في الثناء على محبوبهم . قوله جل ذكره : [ سورة الشعراء ( 26 ) : آية 78 ] الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ ( 78 ) كان مهتديا ، ولكنه يقصد بالهداية التي ذكرها فيما يستقبله من الوقت ، أي : يهديني إليه به ، فإنّى محق في وجوده وليس لي خبر عنّى ! . والقوم حين يكونون مستغرقين في نفوسهم لا يهتدون من نفوسهم إلى معبودهم ، فيهديهم عنهم إلى ربهم ، ويصيرون في نهايتهم مستهلكين في وجوده ، فانين عن أوصافهم ، وتصير معارفهم - التي كانت لهم - واهية ضعيفة ، فيهديهم إليه « 1 » . قوله جل ذكره : [ سورة الشعراء ( 26 ) : آية 79 ] وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ ( 79 ) لم يشر إلى طعام معهود أو شراب مألوف ولكن أشار إلى استقلاله به من حيث المعرفة بدل استقلال غيره بطعامهم ، وإلى شراب محبته الذي يقوم بدل استقلال غيره بشرابهم . قوله جل ذكره : [ سورة الشعراء ( 26 ) : آية 80 ] وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ ( 80 ) لم يقل : وإذا أمرضني لأنه حفظ أدب الخطاب .
--> ( 1 ) يشرح القشيري قول الواسطي : لا تصح المعرفة وفي العبد استغناء باللّه وافتقار . فيقول : أراد الواسطي بهذا أن الافتقار والاستغناء من أمارات صحو العبد وبقاء رسومه لأنهما من صفاته . ( الرسالة ص 155 ) ويقول ذو النون : عرفت ربى ولولا ربى ما عرفت ربى ( الرسالة ص 156 ) .